محمد سعيد رمضان البوطي

282

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

4 - تكسير الأصنام : وإنه لمظهر رائع لنصر اللّه وعظيم تأييده لرسوله ، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه ، وهو يقول : « جاء الحق وزهق الباطل ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد » . وقد روى ابن إسحاق وغيره أن كل صنم منها كان مرصصا من أسفله حتى يثبت قائما على الأرض ، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذا ! . ولماذا لا تنقلب لإشارته صلّى اللّه عليه وسلم ولا تتكسر ، وقد قلب اللّه له جبروت قريش خضوعا وذلا ، وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذي جاء به وتذعن للحق الذي نادى به ! ! . . سابعا - تأملات في خطابه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : والآن . . ها هي ذي مكة : البلدة التي هاجر منها قبل ثمان سنوات ، خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه ، وهاهم أولاء ، الذين طالما ناصبوه العداء وساموه أصناف الأذية والعذاب ، مجتمعون حوله في خشوع وترقب وإطراق ، فما الذي سيقوله صلّى اللّه عليه وسلم لهم اليوم ؟ ! . إن عليه قبل كل شيء أن يبدأ بالثناء على ربه الذي نصره وأيده وصدق وعده ، وهكذا استفتح خطابه بقوله : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده » . ثم عليه بعد ذلك أن يعلن أمام قريش وغيرهم من سائر الناس ، عن المجتمع الجديد وشعاره وهو الشعار الذي يتجلى في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات 49 / 13 ] وإذن فلتدفن تحت أقدام المسلمين بقايا تلك المآثر الجاهلية العتيقة العفنة ، من التفاخر بالآباء والأجداد ، والتباهي بالقومية والقبلية والعصبيات ، والاعتداد بفوارق الشكل واللغة والأنساب ، فالناس كلهم لآدم ، وآدم من تراب . لقد طويت منذ اللحظة جاهلية قريش ، فلتطو معها سائر عاداتها وتقاليدها ، ولتدفن في غياهب الماضي الذي أدبر ، ولتغتسل قريش من بقية أدرانها لتنضم إلى القافلة وتسير مع الركب . . . فإن الموعد عما قليل هناك . . عند إيوان كسرى ، وداخل بلاد الروم ، وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة . وهكذا دفنت فعلا في تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام ، وبايعت قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الإسلام ، على أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلّة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه . وبناء على ذلك ملّكهم اللّه زمام العالم وأخضع لهم الدنيا .